حيدر حب الله
58
شمول الشريعة
ويؤيّد كلامنا هذا أنّنا نجد العديد من العلماء والباحثين يقرّون بأنّ الشريعة الإسلاميّة لم تكن كاملة في العصر المكّي مثلًا ، وإنّما اكتملت في أواخر العصر المدني ، أو أنّ شريعة الله لم تكتمل إلا مع النبيّ محمّد دون من قبله ، مع أنّهم لا يشكّون - في الوقت عينه - في أنّ العلم الإلهي المنتج بشكل تلقائي لموقفٍ ذاتيّ إلهيّ كان موجوداً قبل العصر المكّي ، فلماذا لا يقولون بأنّ الشريعة في مكّة كانت كاملة أو أنّ الشريعة في عصر النبيّ نوح كانت كاملة ؟ ! ليس ذلك سوى لأنّنا نبحث عن الشريعة الصادرة عبر التقنين الإلهي الموجّه للبشر ( الجعل والصدور ) ، لا الشريعة الكامنة في علم الله تعالى الأزلي والأبدي ، كما بيّنا هذا الأمر عند شرح مفهوم قانون الشمول التشريعي في المحور الأوّل المتقدّم . 3 - الاستناد للملازمة بين الحكم الشرعي والحسن والقبح الذاتيّين يظهر أنّ من الذين طرحوا إضاءةً ضمنيّة على هذا الاستدلال في ثنايا كلماتهم هو المحقّق الخراساني ( 1329 ه - ) ، حيث قال : قد اشتهر بين المتأخّرين النزاع في الملازمة بين حكم العقل والشرع ، بمعنى أن كلّ ما يكون تمام ملاك حكم العقل بحيث لو اطّلع عليه العقل يحكم بحسن الفعل به أو قبحه يكون تمام ملاك حكم الشرع حتى يكون العقل فيما استقلّ به دليلًا عليه وكاشفاً عنه أو لا ، كي لا يكون عليه دليلًا . وهذه الملازمة هي التي تكون مفاد القضيّة المعروفة : ( كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ) . ولا يخفى أنّ هذه القضيّة قد يقال في قبال من يرى جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الشرعي ، فيكون المقصود إثبات أصل الحكم الشرعي ، قبالًا لمن ينفيه ، فإثبات المطابقة غير ملحوظة أصالةً ، وقد يقال في قبال من يرى صحّة حكم الشرع على خلاف حكم العقل ، فيكون المقصود بها إثبات المطابقة بعد الفراغ عن ثبوت الحكم الشرعي فيها « 1 » . يقصد الخراساني من هذا الكلام أنّ قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يُدرس من زاويتين : الزاوية الأولى : إثبات أنّ ما حكم به العقل في موردٍ ما فللشرع حكمٌ مطابقٌ لحكم العقل في هذا المورد ، وبهذا تكون قاعدة الملازمة قد وقعت في سياق ردّ القول بإمكان أنّ الشارع قد
--> ( 1 ) الخراساني ، فوائد الأصول : 129 - 133 .